الباب الثاني والعشرون - في اختلاف الناس في الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل

From Nosoos.Zuhlool

Jump to: navigation, search

هذه مسألة كثر فيها النزاع بين الاغنياء والفقراء واحتجت كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين فان كلا منهما أدلت بحجج لا تدفع والحق لا يعارض بعضه بعضاً بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان وقد أكثر الناس الكلام في المسألة من الجانبين وصنفوا فيها من الطرفين وتكلم الفقهاء والفقراء والأغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم وحكوا عن الامام أحمد فيها روايتان ذكرهما أبو الحسين في كتاب (التمام) فقال: مسألة الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر في أصح الروايتين وفي رواية ثانية: الغني الشاكر أفضل وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة ووجه الأولى - واختارها أبو اسحاق بن شاقلا والوالد السعيد - قوله تعالى: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} (الفرقان: 75) قال محمد بن علي بن الحسين: الغرفة الجنة بما صبروا قال: على الفقر في الدنيا وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة) فقالت عائشة: ولم يا رسول الله قال: (انهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة) قلت: لا حجة له في واحدة من الحجتين أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن معصيته وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر فان القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضاً كما قال تعالى: {وسنجزي الشاكرين} (آل عمران: 145) {وسيجزي الله الشاكرين} (آل عمران: 144) بل قد أخبر أن رضاه في الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها واذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتج باسناده فانه من رواية محمد بن ثابت الكوفي عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال فيه البخاري: منكر الحديث ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم. بغرابته الجواب الثاني: أن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فان المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست مسكنة فقر المال بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله وهذه المسكنة لا تنافى الغنى ولا يشترط لها الفقر فان انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال كما أن صبر الواجد عن معاصي الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله.


قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا الجريري عن أبي السليل قال: كان داود النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد فينظر أغمص حلقة من بني اسرائيل فيجلس اليهم ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين هذا مع ما آتاه الله من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة قال أبو الحسين: وروى أبو برزة الأسلمى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفاً حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء في الدنيا) قلت: هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وروي عن أبي سعيد وأنس بن مالك ولا يدل ذلك على علو درجتهم اذا دخلوا الجنة قبل الأغنياء بل انما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه ولا ريب أن ولي الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغني الشاكر ولا يلزم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم وانما تمنى الأغنياء أنهم كانوا في الدنيا فقراء فان صحت هذه اللفظة لم تدل على انحطاط درجتهم كما يتمنى القاضي العادل في بعض المواطن يوم القيامة أن لم يقض بين اثنين في تمرة لما يرى من شدة الأمر فمنزلة الفقر والخمول ومنزلة السلامة ومنزلة الغنى والولاية ومنزلة الغنيمة أو العطب. قال أبو الحسن: وروي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في أصحابه فقال: (أي الناس خير) فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم الرجل هذا وليس به ولكن خير الناس مؤمن فقير يعطي على جهد) قلت: لم يذكر لهذا الحديث اسناد فينظر فيه وحديث لا يعمد حاله لا يحتج به ولو صح لم يكن فيه دليل لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهد فمعه فقر الصابرين وغنى الشاكرين فقد جمع بين موجب التفضيل وسببه ولا ريب أن هذا أفضل الأقسام الثلاثة ودرهمه الواحد يسبق مائة الف درهم من غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة الف درهم) قالوا: يا رسول الله كيف سبق درهم مائة ألف درهم قال: (رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها) رواه النسائي من حديث صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه. وذكر البيهقي من حديث الثوري عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة نفر الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: كان لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشر أواق وقال الآخر: كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير وقال الآخر: كان لي عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار فقال: (كلكم في الأجر سواء كلكم قد تصدق بعشر ماله) وقال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا ابن أبي العوام حدثنا يزيد ابن هارون حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رجل لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ذهبتم يا أصحاب الأموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون فقال عثمان: وانكم لتغبطوننا وانا لنغبطكم قال: فوالله لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة آلاف درهم غيض من فيض.


وفي سنن أبي داود من حديث الليث عن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال: (جهد المقل وابدأ بمن تعول) وفي المسند وصحيح ابن حبان من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال: (جهد من مقل) وفي سنن النسائي من حديث الأوزاعي عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل قال: (ايمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة) قيل: فأي الصلاة أفضل قال: (طول القيام) قيل: فأي الصدقة أفضل قال: (جهد من مقل) قيل: فأي الهجرة أفضل قال: (من هجر ما حرم الله عليه) قيل: فأي الجهاد أفضل قال: (من أهريق دمه وعقر جواده). وهذه الأحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذي لا يتبين أثر نقصانه عليه وان كان كثيراً لأن الأعمال تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها بل بقوة الداعي وصدق الفاعل واخلاصه وايثاره الله على نفسه فأين صدقة من آثر الله على نفسه برغيف هو قوته الى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضاً من فيض فرغيف هذا درهمه في الميزان أثقل من مائة ألف هذا والله المستعان.


فصل تنازع المتأخرين في الفقير الصابر والغني الشاكر واحتجوا بما رواه ابن عدي من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم توفني فقيراً ولا توفني غنياً) وهذا الحديث لا يصح فان خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن مالك الدمشقي أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه قال أحمد: ليس بشيء وقال ابن معين: واه ونسبه يحيى الى الكذب وقد تقدم فيه. وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكى في ذلك عن الامام أحمد روايتان وأما الصحابة والتابعون رضي الله عنهم فلم ينقل عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر وقد قالت ثالثة: ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة الا بالتقوى فأيهما أعظم ايماناً وتقوى كان أفضل فان استويا في ذلك استويا في الفضيلة قال: وهذا أصح الأقوال لأن نصوص الكتاب والسنة انما تفضل بالايمان والتقوى وقد قال تعالى: {ان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} (النساء: 135) وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.


ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: (ان من عبادي من لا يصلحه الا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وان من عبادي من لا يصلحه الا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وان من عبادي من لا يصلحه الا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وان من عبادي من لا يصلحه الا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك اني أدبر عبادي اني بهم خبير بصير) وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء) وفي الحديث الآخر: لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} (المائدة: 54) فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم ثم اذا حوسب أحدهم فان كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وان تأخر في الدخول كما أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب - ومنهم عكاشة بن محصن - قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب فهذا في الفقر المذكور في الكتاب والسنة وهو ضد الغنى الذي يبيح أخذ الزكاة أو الذي لا يوجب الزكاة ثم قد صار في اصطلاح كثير من الناس الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والأخلاق ويسمون من اتصف بذاك: فقيراً وان كان ذا مال ومن لم يتصف بذلك قالوا: ليس بفقير وان لم يكن له مال وقد يسمى هذا المعنى تصوفاً ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفي ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل والتحقيق في هذا الباب أنه لا ينظر الى الألفاظ المحدثة بل ينظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني والله قد جعل وصف أوليائه الايمان التقوى فمن كان نصيبه من ذلك أعظم كان أفضل والأغنياء مما سوى ذلك والله أعلم.



<السابق - التالي>

Personal tools