الباب التاسع - في بيان تفاوت درجات الصبر

From Nosoos.Zuhlool

Jump to: navigation, search

الصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل من الاضطراري فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري ولذلك كان صبر يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من اخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد.

ومن الصبر الثاني: انشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل صلى الله عليه وسلم والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبراً على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولي العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} (الأحقاف: 35) وأولوا العزم هم المذكورون في قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} (الشورى: 13) وفي قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى} (الأحزاب: 7) وكذلك قال ابن عباس وغيره من السلف ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} (القلم: 48).

وهاهنا سؤال نافع وهو أن يقال: ما العامل في الظرف وهو قوله: (إذ نادى) ولا يمكن الفعل المنهي عنه إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (الأنبياء: 87 - 88) وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (دعوة اخي ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فلا يمكن أن ينهي عن التشبه به في هذه الدعوة وهي النداء الذى نادى به ربه وإنما نهى عن التشبه به في السب الذي أفضى به إلى هذه المناداة وهي مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم والكظيم والكاظم: الذى قد امتلأ غيظاً وغضباً وهما وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه.

فان قيل: وعلى ذلك فما العامل في الظرف قيل: ما في صاحب الحوت من معنى الفعل فإن قيل: فالسؤال بعد قائم فإنه إذا قيد المنهي بقيد أو زمن كان داخلاً في حيز النهي فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت كان نهياً عن تلك الحالة قيل: لما كان نداؤه مسبباً عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يشبه به في الحال التي أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء وهي ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً فالتقمه الحوت فنادى بل طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر واكتفى بغايتها وما انتهت إليه. فإن قيل: فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه - أي لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلىء غيظاً وهما وغماً - بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم قيل: هذا المعنى وان كان صحيحاً الا أن النهي لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضباً حتى سجن في بطن الحوت ويدل عليه قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) ثم قال: {ولا تكن كصاحب الحوت} (القلم: 48) أي في ضعف صبره لحكم ربه فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي أمر بها.

فإن قيل: فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدره عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم يصبر على احتماله والسكون تحته.

قيل: منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضر وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (الأنبياء: 87 - 88) فكيف ينهي عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به وكذلك أثنى على أيوب بقوله: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} (الأنبياء: 83) وعلى يعقوب بقوله: {انما أشكوا بثي وحزني إلى الله} (يوسف: 86) وعلى موسى بقوله: {رب اني لما انزلت إلى من خير فقير} (القصص: 24) وقد شكا الله خاتم أنبيائه ورسله بقوله: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي) الحديث فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} (المؤمنون: 76) والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه.

والمقصود: أنه سبحانه أمر أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختياراً وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإن قيل: أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور أم الصبر عن المحظور أم الصبر على المقدور. قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي أفضل من الصبر على مجرد القدر فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل واحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً.

وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل: فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى الطاعة في محلها أفضل فإن قيل: أي الصبرين أحب إلى الله صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه قيل: هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة: الصبر عن المخالفات أفضل لأنه أشق وأصعب فان أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس وهو أشق شيء وأفضله قالوا: ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب اليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا: وأيضاً فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر قال الإمام أحمد: (الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى) فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا: وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب النفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار اخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها.

قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها: نفس الانسان وشيطانه وهواه ودنياه فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا: فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالوا: ولذلك كان باب قربان النهي مسدوداً كله وباب الأمر انما بفعل منه المستطاع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا: ولهذا كانت عامة العقوبات من الحروب وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حداً معيناً فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حدٌ أم لا؟..

فصل

فهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة وقال طائفةٌ اخرى: بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه.

أحدها:

(الغاية التي خلق لها) أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه واخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهي عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوته لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلي له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله.

الثاني:

إن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهى عنه والفرق من أعظم ما يكون.

الثالث:

إن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شيء وأحوج وأشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص العمل له وإفراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياة والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته
فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان

وترك المنهي إنما شرع له تحصيلاً لهذا الأمر الذي هو ضروري له وما وأحوجه وأفقره إليه.

الرابع:

إن ترك المنهي من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذي لا تقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحمية وإن كان بدنه عليلاً أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها مثل المأمورات والمنهيات.

الخامس:

إن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الاصلين: ترك المأمور وفعل المحظور ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى أخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ولم يأتي بمأمور الإيمان لكان مخلداً في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافاً مضاعفة تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه.

السادس:

أن جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأٌمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه.

السابع:

أن ذنب الأب كان بفعل المحظور وكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة.

الثامن:

أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والإنكار وغير ذلك. وأما من نفسه فبالمغفرة للتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه اخر كان المبغوض مراداً له إرادة الوسائل كما كان النهي عنه وكراهته لذلك وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلاً لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما يكون سبباً لحصولها.

التاسع:

إن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر إليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبداً وهذا من أبطل الباطل.

العاشر:

إن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض.

الحادي عشر:

أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهي.

الثاني عشر:

إن باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالإستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه. وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه فإن الله حرم الجنة إلا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك.

الثالث عشر:

أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة وجزاء المنهيات العقوبة وهي من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب.

الرابع عشر:

أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات.

الخامس عشر:

أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالاً فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالاً لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدم محض كمالاً أو سبباً للكمال فلا. مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يسجد لله والا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالاً وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمناً ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهى ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئاً ولم يكن كمالاً فإن الرجل لو قال للرسول: لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا احاربك ولا احارب من يحاربك لكان كافراً ولم يكن مؤمناً بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأتِ بالفعل الوجودي الذي أمر به.

السادس عشر:

أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجه ترك المنهي عنه ولا بد فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمناً وتبعاً وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معاً كما تقدم فعلم أن المقصود هو اقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي البتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر.

السابع عشر:

إن الرب تعالى اذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعاً كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر؛ ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدواً للملك هو حريص على قتله وشرب مسكراً نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ما ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما اذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه. وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع أزواجهم ليس الترك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه.يوضحه الوجه

الثامن عشر:

أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما اذا ترك المأمور به جملة فإنه يقم به ما يحبه الرب عليه فإنه مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضاً للرب تعالى من كل وجه إذ ليس ما يحبه الرب عليه فتأمله. يوضحه الوجه

التاسع عشر:

وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجاباً أو استحباباً ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ويحب المتقين ويحب الذاكرين ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها. يوضحه الوجه

العشرون:

أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهى عنها معنى وانما نهى عنها لمضادتها لأوامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهي عنها من باب التكميل والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة الماء الذي أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهي بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها. قالوا: واذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه يسهل عليه الصبر من المحظور والصبر على المقدور فإن الصبر الأعلى يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وان كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى ومنهم من هو بالعكس والله أعلم.



<السابق - التالي>

Personal tools